لقد استخدم النظام السوري “اتفاقات المصالحة” كأداة لفرض سيطرته على المناطق الثائرة التي كانت تسيطر عليها قوى المعارضة سابقاً، وتم ذلك بعد حصار الوحشي وحملات عسكرية استخدمت القوة المدمرة ضد السكان المدنيين. وكان الرئيس السابق لمجلس الشعب السوري، هدية عباس، قد وصفت ’اتفاقات المصالحة ‘التي يقدمها نظام الأسد (والمدعومة بضمانات أمنية من روسيا) بأنها طريقة تُستخدم لإعادة المناطق التي كانت تسيطر عليها المعارضة السابقة إلى سيطرة النظام، كما قالت بأن هذه المصالحات “وسيلة لتعزيز الانتصارات العسكرية لجيش النظام السوري”.[1] وتمثل هذه الاتفاقات إحدى أساليب النظام السوري في ’تحييد‘ المناطق الثائرة  بعد تجويعها من خلال الحصار، و بعد  الضغط الشديد على سكانها من خلال القصف العنيف و / أو الهجمات العسكرية المتواصلة والمصحوبة برسائل تهديد من الوسطاء مما يدفع  السكان المحليون عادة إلى البدء في التفاوض على عملية استسلام من جانبهم تؤدي إلى اتفاق مصالحة.

وبعد تدخل روسيا في سوريا، قام النظام باقتحام مناطق مختلفة في دمشق والريف المحيط بها، وعرض اتفاقات المصالحة على الناس بتشجيعٍ من الجيش الروسي. وتم تطوير الاتفاقيات كإستراتيجية تفترض أن السكان المحليين هم عادة أعضاء سابقين في جماعات المعارضة المسلحة، يجب أن يضمنوا الأمن على المدى المتوسط. ولكن على المدى القصير، تهدف موسكو إلى استعادة السيطرة الكاملة بواسطة ولصالح جيش النظام من خلال دمج كتائب الثوار التي تريدها تحت قيادتها.

عادة ما يتم اكراه الأفراد المطلوب اخضاعهم  لعملية الاستسلام للتوقيع على عدد من الوثائق مع كتابة البيانات الشخصية الخاصة بهم وتفاصيل طرق الاتصال بهم والتاريخ الوظيفي والتوجه السياسي والسجل الجنائي وسجل سفرهم إلى الخارج، وكذلك أسماء أقاربهم الناشطين ضد النظام.

وبالإضافة إلى ذلك، يجب عليهم الإجابة على الأسئلة حول دور الواحد منهم في ممارسة أي أنشطة مناهضة للنظام، بما في ذلك المظاهرات والقيام بالمعارضة المسلحة، ويتوجب عليهم إعطاء معلومات حول جماعات المعارضة المسلحة في مناطقهم، والأنفاق السرية، والأعضاء أو الحكومات الأجنبية التي تدعم جماعات المعارضة المسلحة (بما في ذلك الأسماء والانتماءات والأدوار والمواقع). وأخيراً، يتعين على المتقدمين للمصالحة التوقيع على بيان يتعهدون فيه بعدم القيام بأي عمل ضد الدولة وقوات الأمن وقوات المليشيات الموالية لها، سواءً من خلال استخدام المظاهرات أو وسائل التواصل الاجتماعي أو المنشورات المناهضة للنظام أو المنصات الإعلامية أو جماعات المعارضة المسلحة.[2]

وفي درعا، تمت تلك المصالحات مع أكبر الجماعات المسلحة في درعا، ’مجموعة أحمد العودة‘، التي دمجتها روسيا في ’الفيلق الخامس ‘. وفي ريف حمص الشمالي، تم دمج ’مجموعة منهل الصلوح‘ في نفس الفيلق. وقد تفاوت تأثير هذه الاتفاقيات بشكل كبير حسب المناطق المختلفة ، ولكن لم تتم عودة  إلى أي شيء يشبه وضعها قبل الحرب. وعلى سبيل المثال، لازال معظم سكان ريف دمشق الذين وقّعوا على اتفاق المصالحة مهجّرين بعيدا عن منازلهم، في حين  بقي بعض الثوار والمدنيين من ريف حمص الشمالي من الذين وقعوا على الاتفاقية ضمن مناطقهم، ومعظم أولئك الذين في درعا بقوا فيها كذلك . ولكن الشيء المشترك بين جميع هذه المناطق: أنها لا تزال تعاني من انعدام الأمن وتعاني من القمع.

وبالنظر إلى الجهود التي يبذلها النظام وروسيا لتعزيز اتفاقات المصالحة كنموذج يمكن تطبيقه بشكل أعم على عودة السوريين النازحين، سوف تنشر ’الرابطة السورية لكرامة المواطن‘ (SACD) سلسلة من الأوراق التحليلية التي تبحث في تأثير هذه الاتفاقات على المناطق التي تم التفاوض عليها. وستحاول هذه الأوراق تحديد الآثار والتطورات الرئيسية التي حدثت في هذه المناطق بعد توقيع الاتفاقات، وكيف أثرت على الأشخاص الذين قرروا التصالح ومدى صلاحية  هذه الاتفاقات كنموذج للعودة. وإن أول تقرير إحاطة تلخيصي من هذا النوع سوف يتناول اتفاق المصالحة في درعا وأثره وطبيعة الوضع الحالي.

درعا: المدينة الثائرة

إن محافظة درعا غنية نسبياً بالموارد الطبيعية، حيث المساحات الزراعية الشاسعة وحوض اليرموك الغني بالمياه، مما ساهم بوجود نشاط اقتصادي قوي نسبياً. كما استفادت المنطقة من التحويلات المنتظمة من عدد كبير من أبنائها  الذين يعيشون و يعملون في الخارج، وخاصة في دول الخليج (حوالي 200.000 أو 16٪ من سكان المحافظة).[3] وقد قدمت هذه التحويلات الشهرية عملية ضخ مالي قوية، مع دور أساسي  للسكان المحليين  في تنويع الاقتصاد من خلال أعمال النقل والتجارة.

قبل عام 2011، وتحت حكم حزب البعث، كان يمكن تصنيف درعا كمحافظة مهمشة. وكان هناك تواجد عسكري ملحوظ في شوارع مدنها وبلداتها، بحجة المواجهة مع إسرائيل وضرورة ’حماية سكان المنطقة‘. وعلى الرغم من أن شباب درعا كانوا عموماً أفضل تعليماً من أولئك الذين في المحافظات الحدودية الأخرى، ورغم أنه كانت لديها عوامل  قوية للازدهار الاقتصادي، إلا أن درعا كانت مهمشة بشكل واضح . و من الأمثلة على ذلك،، فقد سنّت الحكومة العديد من القوانين التي تمنع الاستثمارات الكبيرة في ما يُعرف بقانون الموافقة الأمنية، بحجة المخاوف من هجوم محتمل من إسرائيل. وقد تسبب هذا التهميش في حالة مكبوتة من الاستياء والسخط على النظام بين السكان.

في نهاية فبراير 2011، كتب بعض الطلاب شعارات تندد بنظام الأسد على جدران مدرستهم، وكانت مستوحاة من أحداث الربيع العربي في المنطقة. وسارع  أحد فروع الأجهزة الأمنية -برئاسة عاطف نجيب، وهو ابن خالة بشار الأسد -لاعتقالهم. وقد تم تعذيب الطلاب ونزع أظافرهم، وتم تهديد أسرهم بالاعتقال عندما حاولوا معرفة مكانهم. حينها امتدت الاحتجاجات إلى مدارس أخرى وبدأت  احتجاجات سلمية واسعة النطاق امتدت إلى محافظات أخرى.

ثمّ في سوريّةَ كلِّها

استمرت المظاهرات السلمية في درعا و على امتداد سوريا على مدى الأشهر القليلة التالية في 2011. وقد رد النظام بقتل المتظاهرين. واستمر القمع وتوالت الاعتقالات الجماعية، وتطور الوضع إلى اشتباكات اشتدت مع تزايد أعداد الجنود الذين أعلنوا الانشقاق عن جيش النظام والانضمام إلى جانب الثوار. ثم تم طرد النظام في نهاية المطاف من المنطقة بأكملها، وتحول الصراع إلى قصف ومعارك ضخمة، وانتهت الأحداث في نهاية المطاف بالتدخل الروسي. وقد أجبرت القوة الساحقة! التي تُمارس على فصائل المعارضة هؤلاء المقاتلين على توقيع اتفاق مصالحة في منتصف عام 2018، مع وجود روسيا كضامن.

ومع بداية الانتفاضة الشعبية في مارس 2011، خفض النظام خدماته إلى المحافظة كعقاب جماعي لها على المواقف  المعادية للنظام. و قد كان  للتضامن الإجتماعي للعائلات والعشائر ، بالإضافة إلى توافر الزراعة، دورا هاما  من أجل البقاء والمقاومة، حيث يقوم الناس بتجميع الموارد والمشاركة في توفير الاحتياجات اليومية الأساسية لمعظم الأسر. وقد نشطت أكثر من 100 منظمة مدنية في المحافظة ، خلال فترة سيطرة المعارضة مما ساعد على تقديم الخدمات العامة للسكان.[4] وهكذا كان الناس يقاومون من أجل  البقاء  قبل اتفاق المصالحة، والذي كان من المفترض أن يضمن – ولو على الورق – العودة إلى الحياة الطبيعية.

اتفاقية المصالحة في درعا وانهيارها

لقد نتج اتفاق المصالحة في درعا عن جولات تفاوض بين الأعيان وفصائل المعارضة في  درعا من جهة، وأبرزها مجموعة تسمى “شباب السُنَّة” بقيادة اللواء أحمد العودة، ونظام الأسد ممثلاً بغرفة العمليات العسكرية في الجنوب و بحضور جنرالات من قاعدة حميميم الروسية من الجهة الأخرى.حيث بقي معظم أعضاء جماعات المعارضة المسلحة في المنطقة. بينما رفض بضع عشرات الاتفاق و أخرجوا إلى الشمال السوري.

وبموجب الاتفاقية، تعهدت روسيا بضمان توفير جميع الخدمات اللازمة للمنطقة، بما في ذلك عودة الطلاب والموظفين إلى الجامعات ومؤسسات الدولة. ولكن ، لم تعد الخدمات ولا الوظائف و ازداد  الوضع المعيشي سوءاً مع خروج المؤسسات الإنسانية التي كانت تعمل في مناطق المعارضة؛ و المهتمة بدعم السكان في هذه المناطق ..

بعد أن تم توقيع اتفاق المصالحة منتصف 2018 عاد آلاف من السكان الذين نزحوا نتيجة القصف إلى بيوتهم مستشعرين الأمان القادم من توقف المعارك و بقاء معظم أبناء المنطقة داخلها5، ولكن الوضع المعيشي كان سيئاً ولم يتحسن رغم الوعود بتقديم مزيد من الخدمات

ومما زاد الوضع سوءاً وجود النظام والميليشيات الإيرانية، وإقامة نقاط التفتيش التي وضعها النظام واستخدمها لاعتقال الشباب وإطلاق النار على أولئك الذين لا يتوقفون أمامها، وكان القائمون علي نقاط التفتيش يبتزون الأموال من المدنيين. كما ساهمت  نقاط التفتيش هذه في الحدّ  من حرية حركة التجارة بين المدن والبلدات.

وتصاعد الوضع في آذار 2019، وتظاهر الناس ضد محاولة السلطات المحلية إقامة تمثال ’حافظ الأسد‘، مع تجاهل تقديم الخدمات الأساسية لهم. وقد رد النظام بسوق المزيد من أبناءهم للتجنيد الإجباري. وبدأ المدنيون وأعضاء من مجموعات المعارضة المقاتلة السابقون بمهاجمة نقاط التفتيش العسكرية ليلاً، في محاكاةٍ للأيام الأولى من المواجهة العسكرية التي كانت بين النظام وبين الجنود المنشقين والمدنيين الذين قرروا الدفاع عن أنفسهم.

ومع بداية عام 2020، حاول النظام اقتحام عدة مدن وبلدات في درعا، وتصاعد الوضع بعد أن سيطر الثوار وأسروا جنوداً للنظام كانوا قد  دخلوا بلدة ناحتة للتفتيش، مما أشعل موجة من القتال اليومي انتهت بمفاوضات جديدة،[5] وتم إخراج  عدد من الشباب باتجاه شمال سوريا. لكن عمليات الاعتقالات والاغتيالات والتجنيد القسري للشباب وأخذهم للقتال في خطوط المواجهة في ريف إدلب وحلب ازدادت بشكل واضح. ومنذ نيسان 2020، يحشد الأسد قواته على أطراف المدن و البلدات المختلفة في الجنوب مهدداً بشكل يومي باقتحامها..

الواقع المعيشي في درعا: العقاب الجماعي

بمجرد التوقيع على ااتفاقية المصالحة ، قطع النظام الخدمات عن المحافظة بدلاً من زيادتها كما وعد. وقامت وزارة التعليم العالي بفصل أكثر من 200 مدرس في نهاية عام 2018،[6]  وفصلت أكثر من ثلث محامييّ المحافظة من نقابة المحامين.[7] وتم طرد عشرات آخرين من مؤسسات مختلفة، مما حرم العديد من الأسر من دخلها. وبالإضافة إلى ذلك، رفضت وزارة التربية والتعليم ثلث الطلاب الجامعيين المسجلين على أساس أنهم لم يلتحقوا بالجامعة أثناء النزاع.[8]

وساهمت الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش التي تم تثبيتها  بالقرب من القرى في عرقلة التجارة، مما أدى إلى زيادة أسعار السلع، عدا عن  الضرائب الأخرى  المفروضة حاليا  على المنطقة. وعلى الرغم من أن درعا تتميز  بمساحة زراعية كبيرة، إلا أن الناس لم يتمكنوا من حصاد ما يقرب من نصف المحاصيل بسبب ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج. كما انخفض الإنتاج الحيواني بسبب القصف المستمر أثناء النزاع، بالإضافة إلى انخفاض المياه المتاحة في حوض اليرموك مع تدمير معظم البنى التحتية اللازمة لري الأراضي الزراعية. وعلى سبيل المثال، فقد جفت بحيرة مزيريب، التي كانت في السابق واحدة من أكبر المسطحات المائية في المنطقة، في نهاية عام 2018 [9]

وفي مايو 2020، وصلت المساعدات على شكل بذور زراعية لـ 1500 عائلة، بينما مُنعت معظم العائلات والمناطق من تحصيل  البذور بالكميات اللازمة على الرغم من دفع ثمنها.[10]

وتم تقنين الدقي